الشريف الرضي

236

المجازات النبوية

فكأنه عليه الصلاة والسلام قال : لا تذموا الذي يفعل بكم هذه الأفعال ، فإن الله سبحانه وهو المعطى والمنتزع ، والمغير والمرتجع والرائش ( 1 ) والهائض ( 2 ) ، والباسط والقابض ، وقد جاء في التنزيل ما هو كشف عن هذا المعنى وهو قوله تعالى : " وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون " ، فصرح تعالى بذمهم على اعتقادهم أن الدهر يملكهم ، ويعطيهم ويسلبهم ، ودل بمفهوم الكلام على أنه سبحانه هو المالك للأمور ، والمصرف للدهور ( 3 ) . 191 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة " . وهذه استعارة . وذلك أنهم يقولون هذه غنيمة باردة إذا حازوها ، من غير أن يلقوا دونها حر السلاح وألم الجراح ، لأنه ليس كل الغنائم كذلك ، بل في الأكثر لا تكاد تنال إلا باصطلاء نار الحرب ومألم ( 4 ) الطعن والضرب ، فكأنه

--> ( 1 ) الرائش : أي معطى المال والمتاع ، لان الريش هو المال والمتاع . ( 2 ) يقال ، هاض العظم يهيضه : إذا كسره بعد أن كان سليما ، والمراد أن الله هو الذي يصبب الناس بالمصائب . ( 3 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث كناية ، حيث كنى بالدهر عن لازمه في أذهان العرب ، وهو الاعطاء والمنع ، والاحياء والإماتة ، والاعثار والافقار ، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي واضحة ، وهي أن الله تعالى ليس زمنا ولاغير زمن ، بل لا يعلم ذاته تعالى إلا هو - ويجوز أن يكون فيه مجاز بالحذف لان الله خالق الدهر . ( 4 ) المألم : مصدر ميمي بمعنى الألم .